المعالج قبل كل شيء إنسان
ما الذي يجعل العلاقة بين شخصين تتتحول إلى وسيلة شفاء؟
هل انتابك الفضول عن شكل جلسات العلاج النفسية من الداخل؟ عن شكل وطبيعة العلاقة التي تنشأ بين المعالج ومريضه؟ وكيف يمكن للكلمات أن تغيروتساعد إنساناً بأكمله.
عندما بدأت الكتاب كنت اعتقد بأن العلاج النفسي يتمحور بدرجة كبيرة حول التقنية والأساليب العلاجية لكن مع كل فصل اكتشفت بأن السر كله يكمن وراء العلاقة نفسها, علاقة المعالج بمرضه. حقيقة الأمر لا يقتصر على وجود شخص يصغي وآخر يتحدث إنما في تلك القدرة على الفهم والتفهم دون أن يشعر الإنسان بأن ما يثقل كاهله قد يقابل بالأحكام أو بالرفض, بل بالتقبل وبالاحتواء.
وجدت نفسي مدفوعة لقراءة الكتاب بسبب الفضول الذي أثاره في داخلي,إذ بدا واعداً وصادقاً في سبر أغوار ما يدور خلف غرف العلاج الموصدة تلك. أردت أن أعرف أكثر عن هذه العلاقة الإنسانية التي تربطهم والكيفية التي يتجاوب من خلالها المعالج مع مرضاه؟ هل يجب عليهم أن يتسموا بالجدية التامة في تعاملاتهم كما هو شائع أم أن هناك استثناءات.
أدرك أن العلاقة العلاجية بطبيعتها تقتضي قدراً كبيراُ من الخصوصية ولا سيما من جانب المعالج لكن أحياناً نغفل حقيقة وجود جانب إنساني متجذر في هذه العلاقة, يتجاوز الأدوار المهنية. جانب يجعل من التعاطف والاحتواء والفهم جزءاُ ضرورياً ضمن عملية العلاج نفسها, جانب على الرغم من الحدود المهنية يذكرنا بأن المعالج يبقى إنساناً وبإمكانه أن يتعاطف ويشارك حضوره الإنساني من دون أن يتخلى عن موضوعيته.
لعل أكثر ما لفت انتباهي هي فكرة أننا دائماً ما نعتقد أن المعالج النفسي شخص محايد,ثابت من دون أي مشاعر خاصة ولا تمسه أي من المشاعر الإنسانية وكأن دوره يتطلب منه أن يتجرد من الإنسانية! لكنه قبل أن يكون شخصاً متخصصاً هو بالمحصلة إنسـان أيضاً,يمر بدوره بتجاربه وبمشاكله الخاصة التي قد تستدعي مراجعة معالج آخر للحديث عنها ولتقديم المساعدة. وربما هذا ما يجعل من العلاقة العلاجية علاقة تكاملية بمعنى أنها لا تقوم على فكرة أن شخص كامل يعالج شخص آخر ناقص بل تعني أن إحدهما على قدر من المعرفة والخبرة للمساعدة في رحلة فهم الذات.
بعد الانتهاء من كتاب "ربما عليك أن تكلم أحدًا" للمعالجة النفسية لوري غوتليب لم أعد أنظر لجلسات العلاج بوصفها تقنيات وطرق وأساليب بل بكونها مساحة آمنة وداعمة يسمح فيها للمراجع أن يكون نفسه على نحو أكثر صدقاً وعمقاً, حيث يكون للتفهم والحضور الصادق فرصة للتغيير.

تعليقات
إرسال تعليق